أبو علي سينا
508
القانون في الطب ( طبع بيروت )
وهذه الأخلاط أكثرها فضل الهضم الثاني والثالث . وأولى من تكثر - فيه هذه المشايخ ، أصحاب الأمراض المزمنة ، والناقهون إذا لم يدبروا أنفسهم بالصواب في ذلك ، لأنه يضعف قواهم عن الهضم الجيد ، وخصوصاً إذا كانوا عولجوا بالتسكين دون الاستفراغ الوافي ، والدفع البالغ . وإنما تكثر الأوجاع في المفاصل لأنها أخلى من سائر الأعضاء ، وأكثر حركة ، وأضعف مزاجاً ، وأبرد . ووضعها في الأطراف يبعد عن التدبير الأول ، وكثيراً ما تتحجر المواد في المفاصل ، وتصير كالجص ، وخصوصاً الخام منها ، وكثيراً ما ينبت اللحم بين مفاصلهم ، وخصوصاً بين الأصابع ، فتلوي الأصابع ، وتتقفع ، ويشتد الوجع حيناً ، ويسكن حيناً . وأكثر هذا إنما يكون في أصحاب الأمزجة الحارة ، وأكثر ما ينبت عليه اللحم بين مفاصلهم ، وإذا كانت المادة دموية . وأكثر من تعرض له أوجاع المفاصل ، يعرض له أولًا النقرس . وأوجاع المفاصل من جملة الأمراض التي تورث ، لأن المني يكون على مزاج الوالد ، وكثيراً ما تصير معالجة وجع المفاصل ، وتقويتها ، ودفع المواد عنها سبباً للهلاك ، لأن تلك الفضول التي اعتادت أن تنفصل وتصير إلى المفاصل ، تصير إلى الأعضاء الرئيسة . فإن لم تنحدر إلى المفاصل كرة أخرى ، أوقعت صاحبها في خطر . وأولى الأزمنة بأن تحدث فيها أوجاع المفاصل والنقرس ، هو الربيع لحركة الدم ، والأخلاط فيه . والخريف أردأ لرداءة الأخلاط ، والهضم ، وسبوق توسع المسام في الصيف ، ومن الحر الذي يشتد نهاراً في الصيف . وإذا تدوركت أوجاع المفاصل في أول ما تظهر سهل علاجها ، وإن تمكنت واعتادت خصوصاً المتولدة من الأخلاط المختلفة لم تعالج . وإذا ظهرت الدوالي بأصحاب المفاصل والنقرس كان برؤهم بها ، والملينات بأوجاع المفاصل منهم من يجلبها على نفسه بسوء تدبيره ، ومنهم من يجلبها على نفسه بفساد هيئة أعضائه ، وسعة مجاري عروقه ، وتولد الأخلاط الرديئة فيه ، لسوء مزاج أعضائه الأصلية . وقد تهيج أوجاع المفاصل في الحميات وصعودها ، كما ذكرنا أنها قد تحدث في الحميات . وأما عرق النسا من جملة أوجاع المفاصل ، فهو وجع يبتدئ من مفصل الورك ، وينزّل من خلف على الفخذ ، وربما امتد إلى الركبة وإلى الكعب ، وكلما طالت مدته زاد نزوله بحسب المادة في قلتها أو كثرتها ، وربما امتد إلى الأصابع ، وتهزل منه الرجل ، والفخذ ، وفي آخره تلتذ بالغمز ، وبالمشي اليسير على أطراف أصابعه ، ويصعب عليه الانكباب وتسوية القامة ، وربما استطلقت فيه الطبيعة ، وانتفع به وقد يؤدي إلى انخلاع طرف فخذه وهو رمانته عن الحق . وأما وجع الورك ، فهو الذي يكون فيه الوجع ثابتاً في الورك لا ينزل إلا إذا انتقل إلى عرق النسا . وكثيراً ما يعرض عن ضعف يلحق الورك بسبب الجلوس على الصلابات ، وبسبب ضربة تلحقه ، وبسبب إدمان الركرب . وأسبابه تلك الأسباب ، إلا أن أكثر ما يكون عن خام ، وكثيراً ما